أبي طالب المكي

102

علم القلوب

ومن ينبسط قبل الإذن يهلك « 1 » . وقال ذو النون المصري : من أراد أن يستمع تجريد التوحيد ، فعليه بالنساء الزمنى ، ومن أراد أن يتعلم الطرف ، فعليه بسقاة الماء ببغداد ، قيل : وكيف ذلك ؟ قال : لما حملت إلى بغداد ، طرح بي على باب الطاق مقيدا ، فمر بي رجل متزر بمنديل كوفي ، بيده كيزان خزف رقاق ، زجاج مخرمط ، فسألت : من هذا ؟ قالوا : ساقى السلطان ، فأومأت إليه أن اسقني ، فتقدم منى ، فسقاني ، فشممت من الكيزان رائحة المسك ، فقلت لمن معي : ادفع إليه دينارا ، فأعطاه ، فأبى وقال : لست آخذ شيئا ، قيل : لم ؟ قال : أنت أسير ، وليس من المروءة أن آخذ منك ، ولكن الواجب أن أعطيك . فسمعت ورائي صوتا فالتفت ، فإذا امرأة زمنة يتصدق عليها ، فقالت لي : إذا دخلت على هذا الرجل ، فلا تعبأه ولا تهبه « 2 » ، ولا تر أنه قد [ ا ] مك أو يقدر عليك ، فإنكما مخلوقان من نطفة واحدة ، ولا تحتج عن نفسك محقا أو متهما ، قلت : ولم ؟ [ قالت : ] إن هبته سلط عليك ، وإن احتججت عن نفسك كنت كما قيل فيك ، ولم يزد [ ك ] ذلك إلا وبالا ، وإن كنت بريئا مما قلت ، فادع اللّه ينصرك ، و [ إن ] تنتصر « 3 » أنت لنفسك يكلك إلى نفسك ، فدخلت عليه ، فسلمت عليه بالخلافة ، فقال : ما تقول فيما قيل فيك ؟ فسكت ، فقال : لم لا تتكلم ؟ قلت : يا أمير المؤمنين ، إن قلت : لا ، كذبت المسلمين ، وإن قلت : نعم ، كذبت على نفسي ، فقال : هذا رجل برئ مما قيل فيه . ثم قال في آخر القصة : عظني ، قلت : نعم يا أمير المؤمنين ، رجل يعلم أن اللّه

--> ( 1 ) أي يحاول التوحيد مع رعونة البشرية من الكبر ، والرياسة ، والحرص ، وغير ذلك من آفات العلم ، وطلب الرئاسة قبل السياسة ، أي طلب التصدر للإرشاد قبل العلم بسياسة النفوس وبدسائسها الخفية ، وطلب حقيقة التوحيد ، أي طلب مشاهدة فناء الموجودات مع اللّه ، قبل الاستشراف على مشاهدة أسرار اللّه الخفية في عالم الخلق ، والانبساط هو الاستسلام لحالة البسط التي يحسها المريدون في سلوكهم ، والبسط عند القبض ، ولا يصح الاستسلام لهذه الحالة في السلوك ، بل يجب علاجها بلزوم ضدها ، وهو القبض حتى يسلم المريد من الانحراف عن الطريق ، والإذن بالبسط معناه استعداد السالك للزوم الأدب في هذا الحال الذي زل فيه الكثير من طلاب الطريق ؛ لأنه يؤدى إلى الإدلال ، والإدلال يؤدى إلى سوء الأدب مع الخالق . النساء الزمنى ذوات الأمراض المزمنة ، واحده زمنة . الطرف جمع طرفة ، وهو الجديد الذي يتحف به الإخوان بعضهم بعضا ، والمراد طرف العلم . ( 2 ) في الأصل : نهاية . ( 3 ) في الأصل : تقصير أنت لنفسك فيكلك .